الأربعاء، 9 يونيو 2010


قالت: لمثلكَ أنْ يَحُطَّ رِحالاَ ** أنَّى يشاءُ، وأنْ ينالَ وِصَالاَ

ولغُصْنِ حبِّك أنْ يمُدَّ ظِلالَه ** ولنَبْعِ حُبَّك أنْ يكونَ زُلالاَ

ولنار شوقكَ أنْ تلذِّع مُهْجَةً ** جعلتْكَ عند المُدْنَفينَ مثالاَ

لكَ أنْ تغرِّد بالقصائد، كلَّما ** جرَّ الصباحُ رداءَه واختالاَ

لكَ أنْ تَهُزَّ غصونَ شعرك، كلَّما ** زفَّ المساءُ إلى الوجودِ هِلاَلاَ

لكَ أنْ تبوح بما لديكَ، فإنني ** أعطيكَ من بعد المجالِ مَجَالاَ

هَبْني رحلتُ إليكَ رِحْلَةَ مُدْنَفٍ ** وقصدتُ من بعد الجنوبِ شمالاَ

ومضيتُ أجتاز الحواجزَ كلَّها ** وقطعتُ من بعد الجبالِ جبالاَ

أو سِرْتُ من شرق البلاد لغربها ** وطويتُ أوديةً بها وتِلالاَ

هَبْني تجاوزتُ الهضابَ وخُضْتُ في ** لُجَجِ السَّراب على الطريق رمالاَ

وجعلتُ صحراءَ المتاعب واحةً ** أغصانُها نشرتْ عليَّ ظِلالاَ

هَبْني طويتُ الهمَّ بين جوانحي ** وبَنيْتُ فوقَ رُكامِه الآمالا

هَبْني اتَّخذْتُ من القصائد سُلَّماً ** أرقى به قِمَمَاً هناكَ طِوالاَ

هَبْني نظرتُ إلى سمائي نظرةً ** وسألتُ عنكَ الصَّيِّبَ الهطَّالاَ

وسألتُ هبَّاتِ الرِّياح عن اسمها ** عن صوتها المكتومِ حينَ تَعَالَى

وسألتُها من أينَ تبدأ ُسيرَها ** وبأيِّ كفّ تحمل الأثقالاَ

أَتراكَ تَعْذُلُني، إذا أَصبحتُ في ** وَضَح النَّهار أعانقُ الأطلالاَ؟

وإذا قَصَصْتُ ضفائري وجعلتُها ** للخائفاتِ من المحيط حِبالاَ؟

أتُراكَ تَعذلني، إذا سيَّرْتُ في ** بحر القوافي مركباً جوَّالاَ؟

وبه مضيتُ إلى الشواطئ حاملاً ** عَلَمَ الإباءِ أُحاربُ الأنْذالاَ؟

شكراً محدِّثتي، فإني لم أزلْ ** ألقاكِ حُسْناً آسراً وجمالاَ

وأراكِ في عين القصيدةِ صورةً ** كاد الجمَالُ بها ينال كَمَالاَ

لا تَطْلُبي مني المُحَالَ، فإنَّما ** غيري وغيركِ يطلبونَ مُحالاَ

أنا لستُ خِلْواً من همومي، إنَّها ** قد أمطرتْ قلبيْ المُحِبَّ نِبَالاَ

أنا شاعرٌ ما زال يبكي أمةً ** حَفِيتْ، تُلاحقُ بالهوى الدَّجَّالاَ

عُذْراً إذا هَطَلَتْ دموع قصائدي ** تبكي انشغال القومِ والإهمالاَ

تبكي، بكاءَ الشَّهْمِ يُبْصِرُ قومَه ** يستعذبون القَهْرَ والإذْلالاَ

تبكي على أمجاد أُمتنا التي ** لَعِبَ العدوُّ بها وصالَ وجالاَ

عذراً محدِّثتي فَرَوْضي لا يرَى ** بحراً ولا نَهْراً ولا شلاَّلاَ

لمَّا سألتُ الشِّعْرَ عنكِ، رأيتُه ** أرْخَى رُموشَ المقلتينِ وقالاَ

أنا لا أرى إلا التي سكبَتْ على ** وَهَج القصيدةِ دمعَها السيَّالاَ

لما نثرتُ لها حديثَ صبابتي ** أصغتْ ولم تُفْسِدْ عليَّ مقالاَ

فَهِيَ التي جعلتْ لبحريَ شاطئاً ** وَهِيَ التي أَضْفَتْ عليه جَلالاَ

قالتْ، وما كَذَبَتْ، وكم من قائلٍ ** كَذَبَ الحديثَ وزيَّفَ الأقوالا

رفقاً بقلبكَ يا مُحبُّ، فربَّما ** صارتْ تباريحُ الهوى أغلالاَ

ما كلُّ بارقةٍ تراها، نَجْمَةً ** أو كلُّ عُرْجُونٍ يُضيء، هِلالاَ

للمجد قمَّتُه التي لا يرتقي ** شُرُفاتِها مَنْ عانقَ الأوْحالا







الدكتور عبدالرحمن العشماوي


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق