الأحد، 7 مارس 2010

الحب كما يصفه الشيخ علي الطنطاوي

من حرَّم الكلام في الحب ؟ ...

والله الذي أمال الزهرة حتى تكون الثمرة ,....

وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشأ البيضة ....

و أدنى الجبل من الجبل حتى يولد الوادي .....

ولوى الأرض في مسراها على الشمس حتى يتعاقب الليل والنهار ...

.......... هو الذي ربط بالحب القلب حتى يأتي الولد.



ولولا الحب ما التف الغصن على الغصن في الغابة النائية ....

ولا عطف الظبي على الظبية في الكناس السعيد ...

ولا حنا الجبل على الرابية الوادعة ...

ولا أمد الينبوع الجدول الساعي نحو البحر ......

ولولا الحب مابكى الغمام لجدب الأرض .....

ولا ضحكت الأرض بزهر الربيع ولا كانت الحياة.



مافي الحب شئ ,ولا على المحبين سبيل ,إنما على مَن ينسى في الحب دينه. أو يضيع خلقه أو يهدم رجولته أو يشتري بلذة لحظة في الدينا عذاب ألف سنة في جهنم . أوَ لم يؤلف ثلاثة من أعلام الإسلام ,ثلاثة كتب في الحب ,وهم صاحب الأعلام ومصنف المحلى والإمام ابن الإمام؟ ويا ليت الشبان يعودون إلى الحب ,فتقل هذه الشرور ,ويخف هذا الفساد .ولكن أنى يكون الحب ,مع هذه الشهوات المتسعره ؟. إنها إذا لم تطمر الفحمة في بطن الأرض دهرا ,لا تصير ألماسا ,وإذا لم تدفن الشهوة في القلب عمرا ,لا تكون حبا.



ولكن كيف اكتب عن الحب ؟. وهل تسع هذه المقالة حديث الحب.؟
هل يوضع القمرفي كف غلام ؟ ...

هل يُصب البحر في كأس مدام ؟ ...

وأين لعمري الألفاظ التي أحمِّلها معاني الحب ؟ ....

أين التعبير الذي يترجم عن العاطفة ؟ ....

إن البشر لا يزالون أطفالا ما تعلموا الكلام ,انهم خرس يتكلمون بالإشارات وما هذه اللغات البشرية إلا إشارات الخرسان ,

وإلا فأين الألفاظ التي تصف ألوان الغروب ,ورجفات الأنغام ,وهواجس القلوب؟ نقول للون أحمر ,وفي صفحة الأفق عند المساء عشرات الألوان كلها أحمر ,وما يشبه لون منها لونا , وما عندنا لهذه (العشرات) إلا هذا اللفظ (الواحد) .ونقول للحن رصد ,ولكن رجفة في صوت المغني ,أو مدة أو غنة تجعل من الرصد مئة رصد ,وما عندنا لهذه (المئة) إلا اللفظ (الواحد). ونقول , قصة (جميلة), ونغمة, (جميلة), ومنظر (جميل), وطفل (جميل), ما عندنا الاهذا اللفظ الواحد ,كالببغاوات نعبر به عن الف جمال ,ما منها جمال يشبه جمالا ,وأين (جمال) القصة ,من (جمال) الوادي, من (جمال) العمارة من (جمال) المرأة؟ وجمال المرأة...؟ أهو لون واحد ,حتى نطلق عليه الوصف الواحد؟ لو حشدت مئة من اجمل الجميلات في مكان ,لرأيت مئة لون من ألوان الجمال تشعر بها ,ولكن لاتملك وصفها.



إن في الأرض اليوم أربعة مليارات من العيون البشرية نصفها في أوجه الانثيات ,ونصف النصف تحت حواجب الغيد الفاتنات , وما فيها عينان هما في شكلهما ووحيهما ,أثرهما في النفس كعينين أخريين. ثم إن لكل عين حالات مختلفات لا يحصيها العد ,ولغات لو كان يدركها البشر, لكان لكل عين قاموس ,يترجم عنها ,كالقاموس المحيط .وما عندنا لهذا كله ,الاهذا اللفظ الواحد, جميل ,جميل, نكرره ونعيده...



وكذلك الحب. الحب عالم من العواطف , ودنيا من الشعور ,فيها كل عجيب وغريب وليس لنا إليه إلا هذه الكوة الضيقة, الكلمة القصيرة ذات الحرفين :الحاء والباء, الحاء التي تمثل الحنان, والباء التي تجعل الفم وهو ينطق بها , كأنه متهيئ لقبلة, كلمة (الحب). ولكن كم بين حب وحب؟. بين(حب)التلميذ مدرسته. و(حب) الوالد ولده, و(حب)الصديق صديقه,و(حب) المتشائم الوحدة,(وحب)أكلة من الأكلات و(حب)منظر من مناظر الطبيعة , و(حب)كتاب من الكتب... وبين (حب)العاشقين أنواع وأنواع.



ففي أي الحب أتحدث؟ وكيف أجمع أطراف الكلام حتى أحشره في هذه الصفحات ولو لبثت شهرا أكتب كل يوم فصلا ما أتيت على ما في نفسي ولما وفيت الموضوع حقه ؟.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق